الشيخ محمد هادي معرفة

491

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

نَصبَ عينيك ، فأنت أكيس الأكياس ، ومعك نُهيَة « 1 » كشعلة المقباس ، تكفيك الرمزة وإن كانت خفيّة ، والتنبيهة وإن كانت غير جليّة ، فكيف إذا ذللت بأنور من وضح الفلق ، وأشهر من شِيةِ « 2 » الأبلق . أقول وباللّه التوفيق : ورد على رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله عن عدوّ اللّه العاص بن‌وائل « 3 » مايهدم مقاله ، ويهزم محاله ، « 4 » وينفّس عن رسوله ، وينيله نهاية سؤله ، فأوحى إليه سورة على صفة إيجاز واختصار ، وذلك ثلاث آيات قصار ، جمع فيها مالم يكن ليجتمع لأحد من فرسان الكلام ، الذين يخطموه بالخِطام « 5 » ويقودونه بالزمام ، كسحبان « 6 » وابن‌عجلان ، وأضرابهما من الخطباء المصاقع والبلغاء البواقع « 7 » الذين تفسّحت في هذا الباب خطاهم ، وتنفّس في ميادينه مداهم . انظر إلى العليم الحكيم كيف حذا ثلاث الآيات على عدد المُسلّيات ، من إجلال محلّ رسول‌اللّه وإعلاء كعبه ، وإعطائه أقصيمايؤمّله عند ربّه ، « 8 » ومن الإيعاز إليه أن يقبل على شأنه من أداء العبادة بالإخلاص ، « 9 » وأن لايحفل بما ورد عليه من ناحية العاص ، ولا يحيد عن التفويض إليه محيدا ، فلا يذره وائبا وحيدا ، ومن الغضب له بما فيه مسلاته من الكرب ، من إلصاق عار البتر بالكلب ، « 10 » والإشعار بأن كان عدوّ اللّه بورا ، ولم يكن إلّا هو

--> ( 1 ) - النُّهية : العقل . ( 2 ) - الشِّيّةُ : كلّ لون يخالف معظم لون الفرس وغيره ، وأصله من الوشي . ( 3 ) - العاص بن‌وائل بن هاشم السهمي ، من قريش ، أحد الحكام في الجاهلية ، كان نديما لهشام بن المغيرة وأدرك الإسلام ، وظلّ على الشرك ويعدّ من المستهزئين ومن الزنادقة الذين ماتوا كفاراوثنيين ، وهو والد عمرو بن‌العاص صاحب معاوية . الأعلام ، ج 4 ، ص 11 . ( 4 ) - يقال : رجل يماحل : أي يدافع ويجادل ، من المحال - بالكسر - وهو الكيد ، وقيل : المكر ، وقيل : القوة والشدة . ( 5 ) - الخِطامُ : الزمام . وخطمتُ البعير : زممته . ( 6 ) - سحبان بن‌زفر بن‌إياس الوائلي ، من باهلة ، خطيب يضرب به المثل في البيان ، يقال : « أخطب من سحبان » و « أفصح من سحبان » اشتهر في الجاهلية وعاش زمنا في الإسلام ، وكان إذا خطب يسيل عرقا ولا يعيد كلمة ، أسلم في زمن النبي ولم يجتمع به . انظر : الإصابة ، ج 2 ، ص 109 ، رقم 3663 ؛ وبلوغ الإرب ، ج 3 ، ص 156 ؛ ومجمع الأمثال ، ج 1 ، ص 249 ؛ والأعلام ، ج 3 ، ص 121 . ( 7 ) - الباقعة : الرجل الداهية . ( 8 ) - إشارة إلى قوله تعالى : « إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ » . ( 9 ) - إشارة إلى قوله تعالى : « فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ » . ( 10 ) - إشارة إلى قوله تعالى : « إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ » .